الشيخ علي المشكيني
464
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
على الدقّة ، ونظر العرف بما يفهمون الموضوع من ظاهر الدليل ، ونظرهم بعد ملاحظة القرائن والمناسبات المغروسة في أذهانهم لدى ترتّب الأحكام على الموضوعات ، ففي موارد الشكّ في بقاء الموضوع قد لا يكون باقياً بنظر العقل ولو من جهة انتفاء ما له دخل في موضوعيته ؛ لكنّه باقٍ بنظر غيره ؛ فإذا اخذ مقدار مِن ماء كرّ ، ثم شكّ في بقاء كرّيّته ، لم يجر الاستصحاب بناءً على الموضوع العقلي ؛ فإنّ الماء الباقي بنظره غير الماء السابق ؛ وجرى بناءً على الموضوع العرفي ؛ فإنّ الباقي هو السابق ذاتاً وإن حصل له تغيير في كمّيته ووصفه . وإذا ورد دليل على أنّ الماء المتغيّر بأوصاف نجس العين نجس ، وكان هناك ماء متغيِّر ، فزال تغيُّره من قِبل نفسه ، فشككنا في بقاء نجاسته ، لم يكن الموضوع الدليلي باقياً ؛ فإنّ ظاهر الدليل بنظر العرف البدوي هو الماء المقيَّد بالتغيُّر ، والمقيَّد ينتفي بانتفاء قيده ، إلّاأنّ الموضوع العرفيّ باقٍ في المثال ؛ فإنّ أهل العرف يعدّون الموضوع للنجاسة نفس الماء ، ويحسبون أنّ التغيّر من أوصاف الموضوع ، وله دخل في ترتّب الحكم عليه ، لا أنّه قيد للموضوع ومعروض للنجاسة ، فيجعلون ما هو قيد بحسب الدليل خارجاً عن القيدية راجعاً إلى حالاته ، فيرَون الموضوع باقياً ؛ فإذا حصل الشكّ في بقاء الحكم لِأجل زوال ما يحتمل دخله فيه ، جرى الاستصحاب ، فالموضوع باقٍ بهذا النظر وإن كان زائلًا بالنظرَين الأوّلَين . ومنها : موارد يقع التعرّض فيها لموضوعات الأحكام الشرعية ومتعلّقاتها ، فيقع الكلام هنالك في الفراق بين الموضوع والمتعلّق . « 1 » بيانه : أنّ الأفعال الصادرة عن المكلّف على قسمَين : قسم لازم لا يتعدّى منه إلى غيره كالصلاة والصيام والركوع والقيام ، وقسم يتعدّى ويتعلّق بأمرٍ آخر كالأكل والشرب والتمليك والغصب ؛ فهنا أمران : الفعل الصادر عن الفاعل ، والأمر الخارجي المتعلّق به الفعل كالطعام والماء والمال . فحينئذٍ نقول : إنّه قد يطلق كلّ واحد من الموضوع والمتعلّق على كلّ واحد من الفعل ومتعلّقه ، فيقال : إنّ الصلاة والشرب و
--> ( 1 ) . انظر : هداية المسترشدين ، ج 2 ، ص 125 ؛ حاشية على القوانين ، ص 66 ؛ فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 77 .